الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم "الحوض المنجمي- قضية وطن" للمخرج نضال العازم: حتى لا ينفلت قمع نظام بن علي وصمود الاهالي واستبسال الحقوقيين من الذاكرة

نشر في  26 فيفري 2022  (10:12)

قبل ان تنفلت احداث الحوض المنجمي من الذاكرة كانفلات حبات الرمل من بين انامل اليد، عمل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على انجاز فيلم يوّثق للانتفاضة التي عرفتها منطقة الحوض المنجمي سنة 2008 والتي جوبهت بأشنع وسائل القمع والترهيب من قبل نظام بن علي. وكانت السلطات التونسية ضربت طوقا على جهة قفصة لاخماد الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت بتاريخ 5 جانفي 2008 بالجهة اثر الاعلان على نتائج مناظرة انتداب بشركة فسفاط قفصة.

وتضمّن الفيلم الوثائقي، وهو من اخراج نضال العازم وانتاج ماهر عبد الرحمان، جملة من الشهادات التي استرجعت مُسبّبات واطوار انتفاضة الحوض المنجمي وما تبعها من محاكمات جائرة فضلا عن التسجيلات الارشيفية التي وثّقت انذاك للحراك الاحتجاجي وللانتهاكات الجسيمة التي مورست ضد الاهالي والمحتجين من قبل سلطات النظام. وقد تسببت الماكينة القمعية التي انزلها بن علي بالجهة -قرابة 30 الف بوليسي- في حصار منطقة الحوض المنجمي طيلة 6 اشهر، وفي المئات من الجرحى وعدد من الضحايا على غرار الشاب حفناوي مغزاوي الذي قتل بالرصاص الحي بتاريخ 8 جوان 2008 وهشام العلايمي الذي توفي صعقا بالكهرباء وعبد الخالق عميدي الذي وافاه اجله بعد 3 اشهر من الصراع مع الموت. ويمكن اعتبار المناضلة جمعة الحاجي –زوجة عدنان الحاجي احد ابرز قادة انتفاضة الحوض المنجمي- ايضا من بين ضحايا الأحداث لما تعرضت له من اعتداءات وهرسلة وقد كانت الفقيدة تعاني من مشاكل صحيّة حادة.

ومن خلال البناء السردي الذي اعتمده الفيلم، توّضحت ستة اتجاهات كبرى لقضية الحوض المنجمي. اوّلها مسألة صمود الاهالي أمام الألة القمعية التي انزلها النظام الحكام بالجهة وتمسكهم بقضيتهم الأم وهي حقهم في العدالة وفي التنمية والتشغيل ورفضهم للتعاطي الامني العنيف الذي مثّل ردّ الدولة ازاء مطالبهم الاجتماعية.

ثاني المسائل التي أبرزها الفيلم هي امتداد أحداث الحوض المنجمي في الزمن، وهو عنصر غير مادي على غاية من الأهمية لادراك الفعل التصاعدي والمستمر للأحداث، فبينما انطلقت شرارة الاحداث في 5 جانفي 2008، امتدت الاحتجاجات ومقابلها الحصار الذي ضرب على المنطقة بما فيه من ترهيب وملاحقات وتعذيب طيلة الستة اشهر بالتمام والكمال حتى انّ أحد الشاهدين على الأحداث وصف ما حدث بالحوض المنجمي بالاحتلال.

اما ثالث القضايا التي ركزّ عليها الفيلم فهي في علاقة بوحشية ردّ فعل نظام بن علي الذي لم يتوان على استعمال "الكرتوش الحي" لقمع الغضب المتعاظم بالجهة وعلى ترهيب الأهالي وتعذيب الموقوفين وملاحقة كل من له علاقة بالاحتجاج. كان بالامكان الاستماع الى مطالب الاهالي، كان بالامكان العمل على ادخال شي من التغيير غير انّ النظام سلك طريق العنف ساعيا الى استنزاف الحراك والاجهاز عليه بلا رجعة. وقد اكدت الصور الارشيفية بدون ادنى شك دموية النظام وتمسكه بالمنحى القمعي طيلة شهور.

رابع العناصر التي لا يمكن التغاضي عليها هي نضال المحامين أمثال رضا الرداوي وشكري بلعيد ومختار الطريفي ومعه مجهودات عدد من جمعيات المجتمع المدني على غرار الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وجمعية النساء الديمقراطيات التي تجندت للدفاع عن قضية الحوض المنجمي ومشروعية مطالبه، وتم بالمناسبة تأسيس اللجنة الوطنية لمساندة اهالي الحوض المنجي، فضلا عن دعم المستهدفين الذين جُرّوا امام القضاء. وقد حوكم على سبيل المثال عدنان الحاجي وبشير العبيدي ب10 سنوات سجن، واجمعت الشهادات الواردة في الفيلم على الدور السلبي الذي لعبه القضاء انذاك، فقد كان مدجّنا، موّظفا في خدمة النظام حتى انّ المحامي مختار الطريفي وصف اليوم الذي صدرت فيه الاحكام القضائية باليوم الاسود في تاريخ القضاء.

أما خامس هذه العناصر، فله علاقة بالدور الذي لعبته نساء الحوض المنجمي من كادحات وزوجات نقابيين وأمهات موقوفين وغيرهن من اهالي المنطقة ممن تجندنّ لدعم الاحتجاجات وللمطالبة بالحق في الكرامة والتشغيل. ومنهن على سبيل الذكر الفقيدة جمعة الحاجي والمناضلة ليلى خالد والصحافية زكية الضيفاوي مراسلة صحيفة مواطنون والفقيدة علجية الجديدي التي قادت المسيرات وتظهر صورتها مرارا في الفيلم وكذلك المحامية راضية النصراوي التي آمنت بالقضية ولم تتوان في الدفاع عنها.

ويرتبط العنصر الاخير، وفق قراءتنا للفيلم، بأهمية تدويل القضية والدعم الخارجي الذي لاقته من قبل عدد من المنظمات النقابية والحقوقية بالخارج، وقد لعب كل من محي الدين شربيب وكمال الجندوبي وسهير بلحسن دورا هاما بهدف التحسيس بالقضية والتعبئة ومحاولة قلب موازين القوى بالضغط على نظام بن علي حتى تتوقف حملته القمعية على الجهة ومحاكماته الجائرة.

وتم خلال العرض الاول لفيلم "الحوض المنجمي- قضية وطن" الذي احتضنته قاعة سينما الريو يوم الجمعة 25 فيفري تكريم المحامية راضية النصراوي والمحامي الراحل عمر الصفراوي وعدد اخر من الشخصيات التي ساهمت في دعم ومناصرة قضية الحوض المنجمي ومطالب اهاليها العادلة في الشغل والتنمية.

شيراز بن مراد